أجرت مجلة جيو الألمانية الشهيرة تحقيقات صحفية موسعة عن منطقة الربع الخالي الصحراوية وما تتضمنه من مقومات بيئية وأثرية ، وقد أجرى التحقيقات الصحفي الالماني أوفه جورج يرافقه المصور جورج شتاينمتز ، وفيما يلي نص الترجمة العربية للتحقيق بجزئيه الأول والثاني
الموضوع: رحلة استكشافية إلى الربع الخالي-الجزء الأول
المصدر: GEO
سنة النشر: 2002
العدد: 146
الكاتب: أوفه جورج Uwe George
تصوير: جورج شتاينمتز George Steinmetz
ترجمة: سعيد السعيد
الجــــزء الأول
تعد صحراء الربع الخالي في جنوب المملكة العربية السعودية من أكبر صحاري العالم، وقد كانت لعقود طويلة من الزمن مغلقة، ولم يسمح للمستكشفين والرحالة عبورها أو الدخول إليها. ولكني حظيت مؤخراً وبصحبتي المصور جورج شتاينميتز George Steinmetz” على إذن يسمح لنا بعبور الربع الخالي، بل ورؤيته من الجو بواسطة طائرة صغيرة. وقد اتضح لي أن هذه الجزء من العالم الذي يطلق عليه العرب اسم الربع الخالي مليء بأنواعٍ فريدةٍ من أشكال الحياة التي لا مثيل لها، وبالمظاهر الجغرافية والجيولوجية المُميزة.
كنت منذ طفولتي مولعاً بحكايات ألف ليلة وليلة، وبالروايات التي تتحدث عن البلدان والمُدُنٍ المتلألأة، خصوصاً تلك المدن ذات الكنوز التي لا تُقدر بثمن، والمتاجر الحيوية، التي ظلت مغلقة في وجه الكفّار من قبل السلاطين والملوك الأقوياء، لقد كنت شغوفاً بحكايات طائر الرُخّ العظيم ، وبالبساط الطائر، وبالأمير “أحمد” وبالحورية المتجنسة “باري بانو”، وبالقوافل التي تجوب الصحاري والقفار وهي مُحمّلة بالجواهر والأحجار الكريمة والذهب، والبخور والصندل.
وبعد ما يقارب نصف قرنٍ من الزمان، وتحديداً في شهر يناير عام 2002م، تفاجأت بشخص يدَهَنَ يدي اليمنى بعطرِ الصندل، وشخص آخر يضع أمام وجهي مبخرة ينبعث منها دخان صمغ شجر “العُود” ذي الثمن الباهظ، حقاً إن رائحته لتفتن اللُّبَ وتسحَره. كان العود يلتهب في مبخرة مطعّمةٍ من الخارج بعدد من المرايا التي يعتقد أنها تمنع العين والحسد وتبعد الأرواح الشريرة. لقد كنت في هذه الأثناء نصف جالسٍ ونصف مستلقٍ، فقد اتكأت على وسائد مطرزة بخيوطٍ من الذهب وسط خيمة فخمةٍ وفاخرةٍ من خيام البدو. وبدت أمامي أشعة ضوء الربع الخالي الساطعة تنبعث عبر مدخل الخيمة إلى داخلها، وعلى بساط الحرير الممدود أمامي تتطاير ذرات الرمال بلونها الذهبي.
لقد كنتُ في هذه الأثناء مُحاطاً بوجهاءٍ الشرق وهم يرتدون حُلَلٍ بهيجةٍ وفاخِرة، انهم مجموعة من الشيوخٍ والأمراء والوُزراء. لقد أدهشتني خناجرهم المُقوَّسة والمنقوشة بخيوط رفيعةٍ من الفِضة، ذات مقابض كهرمانية اللون، وهي غالبًا ما تصنع من قرونٍ حيوان الكركدن.
تجمّعوا كلهم كي يُرحبوا بالأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز الذي حلّ في ربوع المنطقة لبضع ساعات، وذلك لرعاية بعثتنا الاستكشافية الخاصة بمجلة “جيو GEO” في الربع الخالي، أكبر الصحاري الرملية المُغلقة على وجه الأرض.
والأمير سلطان بن سلمان الذي يقود طائرته الحربية من الطراز الأمريكي “اف. 15 F-15″ بنفسه، هو أيضاً أولُ رائد فضاء عربي مُسلم. ولقد حدثنا عن رحلته إلى الفضاء فذكر لنا إنه حلَّق في عام 1985م، حول الرُبع الخالي 34 مرةً، ومنذ ذلك الحين استطاع التعرف على كبر حجم هذا الجزء من بلاده. وبكل اعتزاز وفخر تحدث لنا الأمير سلطان عن الصعوبات التي واجهها في تأدية واجباته الدينية وإقامة الصلوات الخمس في الفضاء الذي كان يفتقد لعنصر الجاذبية، مما جعله يضطر حفاظاً على ضبط توازنه تجاه مكة أن يضع قدميه داخل كيس معلق. وعلى الرغم من أنه كان يجمع في صلاته تمشياً مع تعاليم الدين الإسلامي لتصبح ثلاث مرات بدلاً من خمس، إلا أنه كان يمضي وقتا طويلاً في تأدية صلواته، خاصة وأن مكوك الفضاء لا يستغرق سوى ساعة ونصف للدوران حول الأرض. من جانب آخر قدمت تلك الرحلة الفضائية فوائد جمة لمسلم تقي، لقد كان الأمير سلطان يقوم بتلك الرحلة الفضائية خلال شهر رمضان الذي يدوم على الأرض 30 يوماً أما في ذلك المكوك الفضائي فائق السرعة فيتناقص إلى يومين فقط.
في هذه الأثناء صبَّ الخدم الماءَ وناولونا الصابون لنغسل أيادينا، وسرعان ما وضع أمامنا صينية كبيرةٍ من الفضّة فيها خروفاً مشويَّا ووضع وسط رز نثر عليه الزبيب والزعفران. وحولها التمر والتين والبرتقال. وفي ختام الوليمة قدمت لنا القهوة العربية في فناجيل مطليةٍ بالذهب.
اصطحبنا الأمير بعد العصر إلى طائرته التي كانت تجثُمُ على طريق ممتد في مكان غير بعيد من الخيمة الكبيرة. كانت كابينة الطائرة مغطاة بسجادٍ فاخِرٍ. وحين رأيته تبادر إلى ذهني تلك الأسطورة الخرافية للبساط الطائرة، الذي جعل منه المخترع الغربي حقيقة ثابتة.
لقد رتب السعوديون لقاؤنا مع الأمير سلطان في محمية الحياة الفطرية وسط مكان يسمى “عروق بني معرِض” يقع في الطرف الغربي من الرُبع الخالي، وهو المكان نفسه الذي عسكرنا فيه منذ أن بدأنا رحلتنا من الرياض قبل ثلاثة أيام. ومن هذا المكان نزمع التوجه نحو الجنوب في الصحراء باتجاه “شرورة” الواقعة بالقربِ من الحدود اليمنية، وبعد ذلك سوف نتوجه إلى نجران لزيارتها والسلام على أميرها، ثم نواصل السير عبر الرُبع الخالي باتجاه الشرق حتى قرب الحدود مع عُمان، مما يعني أننا سوف نقطع حلال هذه الحملة مسافة 5000 (خمسة آلاف كيلومتر) عبر دروبٍ ومسالكٍ لا تتبيّنها سوى عين بدوي مدربة.
تعد صحراء الربع الخالي في جنوب المملكة العربية السعودية أكبر مرتين من مساحة ألمانيا، وتمتد حدودها حتى اليمن، وعُمان وإمارة أبو ظبي. ويطلق البلدانيون العرب على هذه الصحراء العظيمة اسم: “الرُبع الخالي”.
بعد أن ودعنا الأمير سلطان خرجت من المعسكر وتمكنت مع الغروب من الاستلقاء منفرداً على حافة كثيب من الرمال الدافئةً. وبينما كانت الشمس تتجه نحو الغروب في بوتقةٍ من الألوانِ الزاهية، ظهرت أمامي كثبان الرمال وكأنها أمواج البحر تمتد في اتجاه الشرق إلى ما لا نهاية. في أجواء ذلك الهواء النقيّ برزتْ الاستدارة العظيمة لظلالِ الكرة الأرضية مرتقيةً الأُفُق. حقاً لقد سعدتُ كثيراً بأن أجد نفسي في هذه اللحظات وحيداً في صحراء أحبها كثيراً.
وهناك خلف الكثبان البعيدة كان يلمع ضوءٌ ملئ بالغموض والأسرار سرعان ما اكتمل قمراً يرتفع كالبرتقالة في الأفق. ومن حولي تحلق قطعان من حشرات “عاشِق الليل”، ولا ريب في أن رائحة البخور التي علِقت بشعري وملابسي هي ما جذبها نحوي. وفجأة شاهدت فوق منحدر الكثبان الرملية على ضوء القمر ظلاً يقتر مني، تبين لي أنه ثعلباً صحراوياً بأذنين طويلتين جذبه إلي طنين فَرَاش الليل، لقد سمِعتُ صوت فكَّيه مرتين أو ثلاث مرات وهما يطبقان استعداداً للهجوم على الفريسة الدسمة، ولكنه سرعان ما ولّى هارباً بعد برهة.
أصبح الآن ضوء القمر متوهِّج البياض، واختفت الحشرات القارِصة. الصمتٌ مُطبق والفراغٌ خاوٍ..والجو يزداد برودةً. ولكن هذه هي طبيعة الجَوّ الجاف فهو لا يحتفِظُ بدفء الشمس، بل يعكِسُه إلى الفضاء.
لقد تَمَرغّتُ بعُمقٍ فوق الرمال الدافئةً. وأطلقت العنان لأفكاري تسبح على بِحار الرمال لتحملني إلى الجنوب حيث حضرموت واليمن، تلك المناطق التي كانت القوافل تخرُجُ منها زاحفةً في اتجاه الشمال منذ آلاف السنين، وهي محمّلة بالذهبِ والتوابل والمواد العطرية والمصنوعات الخشبية الثمينة، واللُبان (صمغ أشجار البخور)، والعود والكثير من البضائع والأشياء الأخرى المستوردة من “ضاوُس Dhaus” في أفريقيا، ومن الهند و من الصين. ومع أرباب القوافل انتشرت روايات مُثيرةٌ وعجيبةٌ حول تلك البلاد الواقعة جنوب صحراء الربع الخالي تتحدث عن طيورٍ ضخمةً كان الناس يمتطونها ويُسافِرون عليها، وعن أشجار البخور التي تحرِسُها الثعابين الطائرة.
كان أرباب القوافل يسيرون عبر الرُبع الخالي، ولا شك في أن سيرهم وسط هذه البحار المتلاطمة من الرمال كان يعني في أعينهم الموتَ المؤكد والهلاكَ المُحقق لا محالة، ولكنهم رغم ذلك يندفِعون مُلقين بأنفسهم في عرض البحر، وفي تلك الأهوال المحيطة بهذه البقعة التي لا قياس لها ولا يسكُنها سوى بضعٍ من القبائل البدائية من البدو مثل “الرشيد” وبني “كثير”.
لقد كانت تلك البضائع الثمينة وروايات التُجار سبباً لازدياد الأطماع الخارجية في الاستيلاء على ذلك الجزء الجنوبي من جزيرة العرب. ففي عام 25 قبل الميلاد بعث القيصر الروماني “أغسطُس Augustus ” فرقتينِ تحت قيادة آيليوس جالوس Aelius Gallus”، عامله في مصر لغزو بلاد العرب السعيدة في جنوب الجزيرة العربية والسيطرة على مراكز إنتاج البضائع فيها.
لقد قطع جنود الروم من أجل ذلك ما يزيد على 900 ميل من شاطئ البحر الأحمر باتجاه حضرموت، ولكن حملتهم العسكرية تلك منيت بكارثة اضطرت قائدها أليوس جالوس Gallus ” إلى أن يعودَ من جنوب الجزيرة العربية لينجوا بمن تبقى من فِرقته من لهيب الشمس المحرقة والعطش وهول أكثر المناطق فظاعة وفزعاً على وجه البسيطة، هكذا كانت عاقبة جنود روما، ولكن قائد الحملة رغم ذلك تفاخِرَ بهتاناً بأنه انتصر على البدو البرابرة المتوحشين.
تشجَّعت في عام 1761م بعثة استكشافية أوربية أرسلها الملك الدنمركي للدخول إلى ذلك الجزء من قلب بلاد العرب، كانت قد بدأت رحلتها من الشاطئ الجنوبي، غير أنها نجحت فقط في الوصول إلى “صنعاء” اليمنية. وقد ظلت هذه المُخاطرة مرتبطةً دوماً باسم الألماني “كارستن نيبور Carsten Niebuhr وهو الوحيد من بين أعضاء البعثة الذي عاد سالماً إلى بلاده ، أما بقية أعضاء البعثة الذين من بينهم الطبيب، وعالِم النباتات، والرسّام، وعالِم اللُّغة، والمسّاح فقد ماتوا جميعاً خلال هذه الحملة.
بعد سيطرة الوهابيون في القرن التاسع عشر على مكة والمدينة، المدينتين المُقدستين للمسلمين بدا أن تلك البلاد قد أصبحت مغلقةً تماماً في وجه المستكشفين من الكُفّار. ولكن ذلك المحظور برهن أنه مغناطيسٌ قوي يجذب المُغامِرين، خصوصاً لرجالٍ مثلَ السويسري “جون لودفيق بوركهاردت Johann Ludwig Burckhardt” أو الإنجليزي “سير رتشارد بيرتون Sir Richard Burton”، الذان تنكرا بزيّ المسلمين ودخلا كحُجاج ليندسوا في أرجاء البلاد.
كان “بوركهاردت Burckhardt” يرى في رحلته إلى مكة تدريب لرحلته الاستكشافية المزمعة إلى “تِمبوكتو Timbuktu” في الطرف الجنوبي للصحراء لذلك لم يتعمق بعيداً في الرُبع الخالي، أما “بيرتون Burton” الذي نجح أيضاً في الوصول إلى مكة والمدينة؛ فقد كان يهدف إلى القيام خلال رحلته باقتناء الخيول العربية ومن ثم تزويد مواطنيه في الهند بسلالة الخيول العربية الشهيرة. وعندما أخفق في مسعاه، قام بجمع معلومات كثيرة عن “الرُبع الخالي” لصالح الجمعية الجغرافية البريطانية.
انطلقنا في صباح اليوم التالي على سيارات “لاندكروزر” داخلين في عمق الصحراء على أمل أن نُشاهِدَ قطعان الظبا والغزلان البرية. كان يرافقنا في هذه الرحلة الاستكشافية المصوِّرة “جورجه شتاينمتز George Steinmetz”، ومُساعِدها “آليان آرنو Alian Arnoux”، ورئيس رُقباء الحرس الوطني السعودي بزيه المدني، ودليلنا علي المري، وبدويٌ من واحة “يبرين”، وعالمي إحياء من العاملين في محمية الربع الخالي هما ” إيريك بيدين Eric Bedin” و “ستيفان أوستروفسكي Stéphane Ostrowski”، أما مترجمنا الأردني الجنسية عبد الله يوسف ديان ، وطباخنا الباكستاني “ساجِد حيدر” فقد بقيا في المعسكر.
لقد توجهنا نحو الشمال بمحاذات عروق العارض الرملية، ثم تعمقنا يساراً باتجاه الغرب، كان أمامنا يمتد عدداً من الكثبان الرملية على هيئة أهلة تشكلت بفعل هبوب الرياح الشمالية الشرقية وتركزها قرب المنحدرات.
استمر سيرنا عبر طريق القوافل القديم، وكنا نلاحظ هناك آثارٌ أخفاف الجمال على سطح الأرض المكونة من حبات الرمال والحصى تمتد وكأنها جدائل مُضفّرةٍ. ولا غرابة في أن تبقى أثار تلك الخطى تقاوم عوادي الزمن،إذ إن خطو الإنسان أو الحيوان على أرضية رملية هشة يحدث قالباً يمتلئ مع مرور الوقت بحبيبات الحصى التي تتعرض بعد حين لعوامل التعرية فتظهر مثل هذه الآثار واضحة المعالم على سطح الأرض، وبهذه الطريقة نفسها تظل أيضاً آثار إطارات السيارات باقية.على سطح الأرض.
وبينما كانت الرمال المتموجة تعصف بكل قوة أمامنا، تذكرت رحلة الإنجليزيين “بيرترام توماس Bertram Thomas” و”هاري سانت جون فيلبي Harry St. John Philby ” في عام 1931م وعام 1932م إلى الربع الخالي، فهما يعدان من أوائل الأوربيين الذين تمكنوا من عبور الربع الخالي كاملاً، كما تذكرت أيضاً الرحالة “ولفريد ثيسيقر Wilfred Thesiger”، الذي حلّ في هذا المكان قبل أكثر من 50 عاماً مخاطراً بحياته ليعبر على ظهر جمل برفقة رجل من بني رشيد باتجاه بئر “حَسِّي Hassi “، الواقع بالقُربِ من الحدود الشمالية لمحمية الحيات الفطرية الحالية.
في هذا المكان تقريباً كانت تقعُ حدود المنطقة التي وطَّد فيها “بن سعود”(الملك عبدالعزيز) الحكم والأمن. لقد كانت هذه المنطقة خلال زيارة “ولفريد ثيسيقر Wilfred Thesiger” ما تزال تعج بالخصومات الدموية بين القبائل، وكان النهب والقتل والغارات المميتة من الأمور اليومية العادية. وفي مناطق الآبار القليلة في الصحراء يكمن الخطر الأكبر، وهذا أمر طبيعي فالماء هنا أثمن من الذهب، بل هو عامل من عوامل البقاء، لذلك يُحتفَظُ بموقع البئر سراً، وفي بعض الأحيان يتم طَمْر مواقع المياه السطحية مرة أخرى بعد استخدامها مباشرةً.
لم يكن ” ثيسيقر Thesiger” باحثاً في الطبيعة بالمعنى المفهوم، بل كان رومانطيقياً، تهيمِن عليه رغبة اكتشاف الأمورَ بنفسه. لقد اعتبر رحلتَيْ عبوره مرتين للرُبع الخالي بمثابة رحلات روحانية، وأسفار حجٍ شخصية. فقد عبَّرَ عن ذلك بقوله:: “هذه البلاد القاسية قد تُمارِسُ عليك سحراً، لا تجده في مكان آخر معتدل المناخ” يعود الفضل في مجيء ثيسيقر Thesiger إلى منطقة الربع الخالي المُغلقة إلى الجراد، فبحكم عمله في أحد المستعمرات الأثيوبية اكتسب خبرة كافية، جعلت الحكومة السعودية تكلفه القيام برحلة إلى الربع الخالي ليُحدِّدَ مناطق تكاثر الجراد الصحراوي الذي أصبح يهدد المحاصيل بأكملها.
ويذكر “بيرترام توماس Bertram Thomas” أن هضبة حضرموت التي تهطُل عليها أمطار موسمية بصفةٍ منتظمة وتتجه مسايلها نحو الشمال للتجمع في حوض في الرُبع الخالي، مما زاد من كميات الرطوبة على سطح الأرض في الطرف الجنوبي من الربع الخالي، الأمر الذي ساعد في تكاثُر الجراد الصحراوي هناك، وعند حلول فصل الجفاف تنطلِقُ من هناك في جيوشٍ جرارةٍ لتهلك الرطب واليابس.
تتحدث التوراة في سفر موسى Moses” عن غزو جيوش من الجراد لمصر، وهذه المقولة تتفق وراية العلم الحديث، ففي عام 1889م كتب باحث العلوم الطبيعية البريطاني “كاروثرز Carruthers” يقول:” لقد شاهدت سرباً ضخماً من الجراد يعبر البحر الأحمر، كان يُغطي مساحةً تقدر بحوالي 2000 ميلٍ مربع. وإذا افترضنا أن حوالي 144 من الجراد في القدم المُكعب الواحد، فإن هذه الحشرات الطائرة تزنُ إذاً حوالي 42580 مليون طِن، مما يعني أن سفينتا ذات القدرة على حمل 6000 طن يجب عليها قطع البحر سبعة ملايين مرة إذا ما اضطرت لنقل أسراب الجراد بأكملها”.
وعلى اثر انتشار الجراد خلال الحرب العلمية الثانية أصبحت منطقة الشرق الأوسط مهددة بحدوث مجاعة لا محالة، ولكن ابن سعود (الملك عبدالعزيز) تحرك وسمح ” “لثيسيقر Thesiger” بدخول بلاده لكي يتعقب ويحدد مكامن توالد تلك الحشرات المُفترِسة في بلاده.
ويقول “ولفريد ثيسيقر Wilfred Thesiger” عن تكليفه بتلك المهمة:” من المؤكد أنني لم أكن أوافق على قبول دعوة للتتبع الجراد في كينيا أو صحراء “كلهاري” ، أما الآن فالأمر مختلف فهذه الدعوة سوف تمنحني المفتاح الذهبي الذي سيفتح لي أبواب بلاد العرب” لم يكن تقريره “” يحتوي سوى القليل عن الجراد، ولكنه أسهب في حديثه عن البشر: لقد كان ثيسيقر Thesiger على معرفةٍ تامةٍ بطبيعة البدو وعقليهم، ورغم ذلك فإنه يقول:” إنه لمن المُحزِنِ أن الظبا ” أنتيلوب -الأوريكس” العربية والغزلان البرية معرضة للهلاك والزوال بسبب توغُل السيارات في الصحراء العربية الجنوبية. وحتى في السعودية فإن الغزلان قد أصبحت نادرةً. فالصيادون ينتشرون جماعات وفرادى على سياراتهم فوق السهول ولا يعودون إلى ديارهم إلا وهم محملين بملء شاحناتهم من الغزلان المذبوحة”.
قبل ثلاثين عاماً كانت عشرات الآلاف من الضبا تسرح وسط صحراء جزيرة العرب،أما اليوم فلم يبقى منها سوى تسعة أنواع فقط، ومن حسن الطالع أنه أمكن حفظ هذا النوع من الحيوانات في حدائق للحيوان، حيث أعيد إطلاقها للتكاثر في محمية الحيات الفطرية في منطقة “عروق بني معرِض”.
شاهدتُ هناك للمرة الأولى ظباء “الأوريكس”، خافتة اللون وفي حجم الحِمار ترعى من أشجار طَلحٍ في مجرى وادٍ جاف. وسرعان ما ظهرت ثانية فثالثة، ثم ما ليثنا أن ظهر أمامنا قطيعٌ من اثني عشر ضبي، وفي بطءٍ وحذر كنا نقترب بالسيارة شيئاً فشيئاً نحوها.
لقد كان عالمي الأحياء البرية الذان برفقتنا يعرفان كل واحدة منها على حدة. كانت إحدى الإناث تقود جماعة القطيع، بينما حمى الذكر المؤخرة، كي يُعيد أي صغيرٍ يتخلف إلى القطيع. لقد علِمنا أن ثمانية من هذه الحيوانات يتم تربيتها في المحمية بينما أطلق أربعة منها لتعتمد على نفسها في الصحراء كانت الظباء تسير فوق هضبةٍ جرداء من الصخر الجيري، مُخلفةً وراءها محيطات من الرمال التي تكونت هنا منذ ملايين السنين. وبرغم كروشها الكبيرة وأرجلها التي تبدو بفعل السَراب أمامنا وكأنها مشوهة، إلا أنها كانت تتحركُ بخفةٍ ورشاقة كمثل جيشٌ من الأشباح يحمل حراباً.
لقد اعتادت الظبا هنا على التكيُّفِ مع حياة الصحراء عديمة المياه. إذ تحتفظ أحياءها البيولوجية بالمياه، بسبب قلة التعرُّق والحد من ارتفع الحرارة فوق 41 درجة مئوية، وبذلك فإن باستطاعتها الاستغناء عن المياه السائلة من خلال تحويل جزء من غذائها النباتي وشحماها إلى مياه سائلة تروي عطشها.
كانت أشجار الطَلحْ التي نمُرُ خلال سيرنا بجوار بين الفينة والأخرى كبيرة وذات رؤوس ناتئة وواسِعة، وفروعها تمتد حتى الأرض، وبهذا شكلت هذه الأشجار ما يشبه الكهوف، مما جعل الظبا تلجأ إليها في أيام الصيف الحارة. وساهم روث هذه الحيوانات في نمائها.
وعلى الرغم من ازدياد أعداد الضبا هنا إلى حوالي 220 خلال العقود الماضية. إلا أن قلة الأمطار منذ شتاء عامي 1995/1996م،.وانقراض النباتات تقريباً.جعل القائمون على المحمية يخشون من هجرة الظباء إلى مكانٍ آخر بحثاً وراء الماء والكلأ. مما يعني تزايد خطر تعرضها لبنادق الصيادين غي المرخصة.
شاهدنا ونحن في طريق عودتنا إلى المعسكر قطيعاً من 14 رأس من الغزلان البرية الرشيقة. فرّت من أمامنا هاربةً إلى منطقة الرمال الرخوة بين الكثبان العملاقة، ولم تتمكن سياراتنا من اللحاق بها. فقد كانت سريعة جداً وخفيفة الحركة للدرجة تبدو وكأنها تطيرُ فوق الرمال، وبدا لون فرائها الذهبي متناسقاً مع معالم البيئة المحيطة بها.
انطلقنا في صباح اليوم التالي باتجاه الجنوب، إلى عمق الرُبع الخالي. وبينما نحن نسير وسط الرمال سرعان ما لحق بنا سيارة مسرعة اعترضت طريقنا وأوقفتنا، وفي الحال نزل منها شخص تبدو عليه علامات الغضب، لقد كان سبب غضبه أننا مررنا بجوار خيمة دون أن نتوقف عنده لإتاحة الفرصة له في استضافتنا، لم تكن هذه الحادثة الوحيدة بل اعتراضنا على بعد بضع كيلومترات بدوي آخر، ممتطياً ظهر بعيره، وألح علينا للنزول ضيوفاً عليه. لقد انتشر خبر زيارة الأمير سلطان لنا بين سكان المنطقة بسرعة تفوق سرعة عاصفة رملية في الصحراء، ومن بين من وصلهم الخبر الشيخ “محمد بن عبد الرحمن العايض الفهد اليامي” الذي تعمد وضع حواجز على جانبي الطريق كي يجبرنا على التوقف عنده لاستضافتنا، وهكذا توقفنا أمام مسكنه فاستقبلنا بالبخور والقهوة العربية والشاي، ولم يمض وقت طويل حتى نحر لنا خروفاً، وهذا يعني أننا سنضطر المكوث هنا قرابة الثلاث ساعات، في هذه الأثناء خالجني شعور بأن برنامج رحلتنا يتعرض للخطر بسبب كرم الضيافة لدى عرب تلك المنطقة، وهذا ما لم نحسب حسابه خلال فترة الإعداد لرحلتنا إلى الربع الخالي.
وبعد نقاشٍ ُطويل نجحنا في التخلص من كرم الضيافة الذي حسب عرفهم لا بد أن يستمر لمدة ثلاثة أيام متتالية، واستطعنا أن نواصِلَ سيرنا.
تقع أسفل الطبقة الصخرية لمنطقة “العارِض” في وسط سهل منبسط حقول زراعية دائرية الشكل، تشبه اسطوانات خضراء، يتراوح قطرها ما بين كيلاً واحدا وكيلين. تسقى بواسطة ري محوري من مياه تكونت منذ آلاف السنين حلال مرحلة مناخٍ رطبٍ ومطير.
يوجد تحت أرض الرُبع الخالي حوض ضخم، يتكون من الترسُبات المختلفة لطبقات الأرض تصل حتى عمق6000 متر مُتراصة في طبقات فوق بعضها البعض، أعلاها طبقة الرمال الحالية. وفي الكثير من الرواسِب تكمن مياه الأمطار السطحية، وهي مياهُ مالحةٍ بفعل الترسبات البحرية التي تراكمت فوق بعضها البعض. أما مكامن حوض المياه الذي تسقى منه المزارع الحالية فقد تكونت منذ آلاف السنين. ففي مواسم المناخ المطير اندفعت من الجبال المحيطة بذلك الحوض مياه الأودية لتصب فيه، وبفعل تسرَبُ الماء عبر المسّام الدقيقة للرواسب الصخرية تكونت بحارٌ رمال الربع الخالي.
لقد تحدثت مع رئيس المشروع الزراعي، وهو مهندس زراعي مِصري، فذكر لي: أنه حُفر هنا في عام 1983م بئراً اندفعت مياه بفعل الضغط العالي مرتفعة إلى الأعلى، ولكنها كانت تحتوي على مادة كبريتية، لذلك فهي غير صالحة لري المحاصيل الزراعة. وهذا يحدث في حقيقة الأمر جراء نفاذ مياه الأمطار عبر صخور غير نظيفة تتكاثر فيها مواد من مثل الملح والكبريت وغيرها. ومنذ خمس سنواتٍ تقريباً تدفق في هذه المنطقة مياه صالح للري من الآبار الارتوازية. وأمكن على مساحةٍ تقدر ب 4000 هكتار وبمساعد كميات من المُخصِبات الكيميائية إنتاج القمح والذرة والبصل، بل والبطاطس والطماطِم.
وقد ذكر لي المهندس المصري أيضاً أنه يتم خلال موسم الزراعة الذي يستمرُ أربعة أشهُر استهلاك ما بين 7000 إلى 11000 متر مُكعب من الماء للهكتار الواحد. يذهب الجزء الأكبر من هذه الكمية لغسل الحقول حتى لا تترسب عليها الطبقات الملحية.
وهكذا كلما تزايدت المشاريع الزراعية، كلما كان هذا النوع من الري أيضاً مُنهِكاً لموارد غير قابلة للتجديد. إن مستوى المياه الجوفية يغور في تسارُعٍ مطرد، مما يتطلب جلب مضخاتٍ قويةٍ لرفع الماء من أعماق سحيقة تتناقص بشكل ملحوظ، ففي الوقت الحالي يتراوح متوسط عين الماء حوالي 150 متراً. وكما يعتقد المهندس المصري فإن مخزون المياه هنا سوف يستهلك خلال السنوات الخمس القادمة.
يصل المرء عبر طريق مزفلت إلى الربع الخالي ذلك البحر الهائل من الرمال،بكثبانه الرملية التي تبدو وكأنها تتدحرج دون توقفٍ كالأمواج العاتية باتجاه هبوب الريح من الشمال الشرقي نحو الجنوب الغربي لمسافة تصل إلى 300 بل400 وحتى 500 كيلومتر مُوازية لبعضها البعض، وبعرض لا يتعدى بضع مئات من الأمتار، وارتفع يصل 100 متر ، إنها تبدو وكأنها جدائل ملفوفة بإحكام تام. وبين هذه الكثبان الرملية تنفتِحُ ممرات خالية من الرمال تقريباً ذات أرضيةٍ من الحصى والصخور الناعمة بعرض يتراوح بين كيلومتر واحد إلى كيلومترين اثنين.
تم التوصُلُ بعد إجراء عدد من الأبحاث خلال السنوات العشر الماضية في الميدان وفي المُختبرات وما تبع ذلك من توظيف الطائرات والأقمار الصناعية والمعارف المتراكمة حول كيفية تكون السحب في السماء إلى التعرف على كيفية نشأة وتكوّن منطقة “درعا Draa “، الاسم المحلي لهذه الكثبان الرملية في الربع الخالي.
لقد لاحظتُ خلال رحلاتنا الاستكشافية إلى منطقة الصحراء، أن مجرات السُحب في منطقة “درعا Draa ” تسيرُ في توازٍٍ مع صفوف كثبان الرمال. ويكمن تفسير هذه الظاهرة في أن عصف الرياح المتساوي يبعث بالهواء الساخن إلى أعلى بشكل حلزوني، وقد أدى عصف الرياح بقوة وعنف خلال العصر الجليدي إلى تشكيل كثبان رمال منطقة درعا Draa “، ومع مرور الوقت وتواتر حركة الرياح الأفقية تزايد حجم هذه الكثبان الرملية بالصورة التي هي عليها اليوم.
نصبنا مع حلول المساء مخيمنا في سفح أحد العروق الرملية لمنطقة درعا Draa، وبينما نحن جالسون أمام نار خشب الطلح التي ساهمت حرارتها بإزالة التجمد من أطرافنا أخذنا نشرب الشاي وبدأ دليلنا (علي) يروي لنا القصة تلو الأخرى عن “الجِنّ” والأشباح التي تستوطن الرُبع الخالي.
يقول مثل سائر لدى البدو الرُحّل “إذا كان الله في السماء، فإن الأرض تخص الجن”. إنهم (أي الجن) يقومون بإشعال الضوء المُضَلِّل، لكي يقودوا القوافل القادمة إلى الهلاك، ويُثيرون العواصف الرملية ويقذفون المارة بالحجارة. إضافة إلى ذلك فإن الجنّ بين الفينة والأخرى يجعلون الكثبان الرملية تُغني أو حتى تُزمجِر وتهدِرُ زاعِقةً في صخبٍ وضجّة، هكذا اقسم (علي) باللهِ أنه قد سمع مثل ذلك “الكونسرت” المُرعِب. وفي حقيقة الأمر فإن مصدر أصوات العواء والأنين غير العادية، كما يُفسرها العلماء ناجمة عن الحالة عندما يكون الهيكل أو التكوين الداخلي لصفوفٍ من الكثبان غيرُ مستقِرٍ وثابت، ومع هبوب آلاف الأطنان من ذرات الرمال خلالها تصدر مثل هذه الأصوات الغريبة.
تسلقتُ في صباح اليوم التالي برفقة (علي) إلى أحد الكثبان الرملية الضخمة، وقد عثرت في سفحه المقابل على عدد من الأدوات الحجرية من بينها: أدوات حجرية على هيئة بَلْطَة، وأسهُمٍ ورؤوس حراب مُشكلةٌ بدقة وعناية فائقة، كما عثرت أيضاً على خرز حجري مثقوب، وبكل تأكيد فإن هذه الأدوات الحجرية تخص أناسٍ ينتمون إلى العصر الحجري الحديث، أي أنهم أقاموا هنا فيما بين 10000 إلى 6000 سنة قبل الوقت الحاضر.
يعود تكون سلسلة كثبان “درعا Draa ” إلى عصور سحيقة تقدر بمليونين إلى خمسة ملايين عام قبل الوقت الحاضر. وفي الوقت نفسه نشأت أيضاً طبقات الصخور التي تظهرُ بارزاً هنا وهناك على أسطح الرمال الثابتة، ففي عصور موغلة في القدم كانت ضربات الصواعِق تصيبُ الرمال وتُحيلها إلى مادة مصهورةٍ، وبعد أن تبرُد تتشكل على هيئة مجسمات تثير الدهشة.
إن الرُبع الخالي رغم تسميته بهذا الاسم فهو بالنسبة لسكانه ليس “برُبعٍ خالٍ” على الإطلاق. فكل عرق من عروقه الرملية يحمل اسماً خاصاً به. إضافة إلى أن الرمال بالنسبة للبدوي تُعد مصدراً غنياً للمعلومات. فقد تعلمت من دليلي (علي) الدرس التالي: بقبضة يده رسم على سطح الرمل شكلاً لقدم إنسان وقدم جمل، ثم قال لي، إن باستطاعتي التعرف ليس فقط على أثر حيواناتي، بل أيضاً يمكنني معرفة أثر أي حيوان أخر سبق أن شاهدته، كما يمكنني من خلال عُمق أثر القدم على سطح الرمل معرفة ما إذا كان الجمل يحملُ راكباً، أم أنها معشراً (أي تحمل ولداً في بطنها)، وفي أي منطقة كان منشؤه. فعلى سبيل المثال، تتميز جمال المناطِق الرملية بباطن أقدام طرية ويعلق فيها قطع صغيرة من الجلد، أما جمال المناطق الصحراوية فباطن أقدامها تكون ملساء ومصقولة. في الختام كشف لي (“علي) أيضاً عن خواص روث الإبل، إذ يستدل منه على متى وأين رعى الجمل، بل وحتىمن أي منهل شرب الماء آخرَ مرةٍ.
لقد عكس “ولفريد ثيسيقر Wilfred Thesiger” في مذكراته أيضاً تعبيراً مؤثِراً حول فن قراءة الأثر لدى البدو إذ كتب يقول : ” لم يكن باستطاعتي التأكيد من أن تلك الخطى تخص جملاً، كيف لي ذلك وقد امتلأت الخطى بذرات الرمال. في هذه الأثناء التفت “سلطان” نحو رجلٍ أشيب اللحية، ممن اشتهروا بقص الأثر وسأله، أيُ آثار تلك؟ وسرعان ما وجه نظره نحو الأثر، ثم قفز من على ظهر جمله، وتفحص الأثر في موضعٍ سارت فيه الجمال على أرضيةٍ صلبةٍ، ثم قام بجرش قليل من روث الجمال بين أصابعه، وعاد إلينا راكباً جمله مرة أخرى.
وقال: إنها أثر إبل عرب “العوامر” في الشمال. لقد قاموا بغارة على “الجنَّابة” في الطرف الجنوبي ونهبوا منهم ثلاثة جمال، وفي طريقهم مروا على “ساهمة”، ثم عل “مغاشن”، حيث ملأو منها قربهم بالماء. ومرورهم من هنا كان قبل عشرة أيام. وفي رحلة عودتنا قابلت بعض الأشخاص من “بني كاهر” ، وقالوا لي: إن ستة أشخاص من “العوامر ” أغاروا على “الجُنّابة”، وقتلوا منهم ثلاثة أفراد ونهبوا جمالهم الثلاثة”!
كنا خلال الأيام الماضية نمضي ساعات طويلة في طلوع ونزول فوق طابور ممتد من كثبان درعا (Draa ) الرملية، حتى انحرف بنا الطريق بشكل حادّ نحو الشرق، وأثناء سيرنا كنا نلمح منارات المساجد، ومنازل صغيرة، وأجهزة إرسال لاسلكية. في هذه الأثناء توقنا عند نقطة تفتيش في عرض الطريق، وسرعان ما أخرج له مرافقنا التصريح الملكي، فما كان من مأمور نقطة التفتيش إلا أن عظمنا بالسلام، فانطلقنا حتى وصلنا إلى شرورة التي تقع بالقرب من الحدود اليمنية،على جزء من هضبة حضرموت، وتبدو المدينة بموقعها في رمال الربع الخالي وكأنها قبعة وسط محيط الرمال.
قبل بضع سنوات هاجرت قبائل بدوية بصحبة مواشيها من جنوب الربع الخالي إلى مناطق هضبة حضرموت، حيث وفرة الماء والكلأ، مما أدى بطبيعة الحال إلى تزايد الخصومات بين القبائل هناك، خاصة خلال الفترة التي لم تكن معالم الحدود بين المملكة العربية السعودية واليمن مرسمة بعد. ولكن بعد تزايد أعداد الأسلحة وتنوعها بين أوساط البادية هناك قررت المملكة العربية السعودية وضع حد لذلك والشروع في ترسيم الحدود مع اليمن.
وعلى إثر ذلك قامت الحكومة السعودية ببناء مساكن حديثة في شرورة وسلمتها للسكان هناك كتعويض لهم على ما فقدوه من مراعي، كذلك الحال مع مواشيهم التي جلبوها معهم ،فقد تمتعت منذ ذلك الحين بشرب مياه عذبة وأعلاف مزروعة.
يقيم حول شرورة آلاف من اليمنيين الذين لجأو إليها خلال الحرب الأهلية في اليمن، وهم بإقامتهم تلك يأملون الحصول على الجنسية السعودية التي من خلالها سوف يتمتعون بحقوق اجتماعية مجانية تتكفل بها الحكومة السعودية لمواطنيها، من مثل العلاج في المستشفيات، والتعليم في المدارس، وتوفير المواد الغذائية بتكلفة زهيدة.
وهكذا فإن شرورة تعتبر مثالاً مميزاً من أمثلة التغير المطرد والتحول الاجتماعي في المملكة العربية السعودية، فقد كانت قبل وقت قصير بمثابة مخيم للبادية، أما الآن فإن سكانها يحاولون التأقلم على سكنى البيوت الحديثة، ولكن أغلبهم لم يتركوا خيامهم، فقد نصبوها في أحواش بيوتهم الحجرية.
الــجزء الثاني
GEO12, DECEMBER 2002
الربع الخالي موطن حضارة العصور الحجرية ومكمن الذهب الأسود
تحرك فريق حملة GEO الاستكشافية من نجران في الغرب إلى شيبة مدينة النفط في الشرق عبر رمال الربع الخالي في جنوب المملكة العربية السعودية، وهناك في واحة نجران حاضرة التجارة القديمة وقف الفريق على مجموعة من الرسوم الصخرية القديمة يزيد عمرها على آلاف السنين، كما شاهد بقايا نيزك سماوي ضخم، ومئات من الكثبان الرملية الممتدة على هيئة نجوم خماسية الأطراف، وقد لا يبالغ المرء إذا ما عد هذه المناظر الجميلة من أروع المنحوتات الرملية على وجه البسيطة.
بدأنا في هذه اللحظات نلمح من بين جبال الجرانيت الفضية واحة نجران الممتدة، وهي تبدو أمامنا خضراء مضيئة بفعل انعكاس ألوان شجر نخيلها وبرتقالها وحقولها المزروعة. وبينما نحن نقترب منها خالجني شعور أن ثمة شبه بينها وبين عمارة الجزر البحرية، فبيوتها متعددة الطوابق، ومبنية من الطين والتبن، ويزين رؤوسها شرفات بيضاء ناصعة، تبدو وكأنها كعكة عرس (زواج) كبيرة الحجم.
لقد سارت عبر هذه الواحة الخصبة فيالق الجيش الروماني التي أرسلها القيصر أغسطس في القرن الأول قبل الميلاد بقيادة أليوس جالوس لاحتلال جنوب بلاد العرب، بيد أنها كرة عائدة دون أن تحقق مآربها. كما حكمت هنا ملكة سبأ المشهورة، وتقول الرواية أيضاً إن إبراهيم وموسى ومحمد ( عليهم السلام) وعظوا في هذه الواحة.
بدأت رحلتنا عبر الربع الخالي، أكبر صحارى العالم الرملية، من شرورة على الحدود اليمنية، ونزمع مواصلة المسير إلى قرية الفاو، ومن هناك سوف نجازف بقطع الربع الخالي باتجاه الشرق.
كنا خلال هذه الرحلة عبر الصحراء الواسعة نسير على مسار أحد طرق القوافل القديمة باتجاه الغرب عبر سلسلة جبال الحجاز وعلى جوانب الطريق كنا نشاهد بين الفينة والأخرى أطلالاً لبعض حصون المراقبة والقلاع القديمة. حقاً إن هذه المنطقة الجبلية تمثل متاهة معقدة بشعابها الممتدة وجبالها الطويلة والمتآكلة بفعل النحت عبر مئات الملايين من السنين.
بعد أن تجاوزنا هذه المناظر الطبيعية الرائعة وصلنا إلى بئر حما، حيث توجد هناك اقدم صحف العالم الصخرية، لقد وقفنا على آلاف الرسوم الصخرية التي نحتت منذ ما يقارب (9000) سنة من قبل البدو والمحاربين وتجار القوافل على مساقط جبال بئر حما الصخرية، وهي تحتوي على تفاصيل عن حياتهم وتعكس تاريخهم، إنها بكل تأكيد تمثل كنزاً ضخماً لدراسة تاريخ العرب وحضارتهم القديمة.
لقد جسدت هذه اللوحات الفنية التي يصل ارتفاعها إلى عشرة أمتار تقريباً، مناظر رائعة تجول وتصول فيها الأسود والفهود وطيور النعام والظبا وأبقار الوحش وحيوانات أخرى متنوعة، إضافة إلى تصاوير آدمية من بينها نساء ذوات وشوم وتسريحات شعر جميلة، ورماح وهراوات مما يتسلح به المحاربون، وصيادون يتربصون لفريستهم، ورعاة خلف قطعانهم، وجمال وسط واحة من النخيل، هذا علاوة على إن جزء من صفحات الجبال تحمل نصوصاً كتبت بالخط السبئي وتسجل في الغالب أحداث انتصارات في معارك وقعت بين أناس أديانهم مختلفة، أما الهزائم فلم يرغب أحد منهم تخليد ذكراها.
حقا إن رسوم بئر حما الصخرية فريدة من نوعها، إذ يشاهد المرء بين اللوحات الفنية مجموعة مما يسمى (الوسوم) تأخذ أشكالاً هندسية مجردة، كما لو أنها توقيعات مشاهير أو فنانين.
ويعد الوسم من تقاليد البادية، فالقبائل والعشائر لها وسومها الخاصة، ومن خلال طبعه على ممتلكاتهم من الجمال والخيول والأبقار يوثقون ملكيتهم لها. وفي الغالب يقوم هؤلاء برسم وسومهم الخاصة على الأحجار القريبة من مراعيهم. ونظراً لان كل فرد من أفراد القبيلة اصبح له وسمه الخاص، فقد أدى ذلك مع مرور الوقت إلى ظهور آلاف من الوسوم المختلفة.
إن استمرار توارث استخدام الوسوم في هذه المنطقة منذ العصور الحجرية حتى وقتنا المعاصر ليس له مثيل في أي مكان آخر، وقد قام باحث الوسوم الباكستاني مجيد خان مؤخراً بمقارنة الوسم مع رموز لوحات المرور المنتشرة في أرجاء العالم، فالكل يعرف معناها، ويعي سلطانها بغض النظر عن لغته التي يتحدث بها، ليس ذلك فحسب بل يزعم الباحث أيضا إن الكتابة (الخط) تطور من وسوم العصور الحجرية.
ضربنا معسكرنا الليلي في سفح جبل يزين صفحته الأمامية رسم صخري، وسرعان ما بدأ دليلنا (علي المري) يشعل النار، وبعد ارتفاع لهيبها انعكس ضوئها على تصاوير صفحة الجبل الآدمية، مما أعاد لها الحياة فأضحت كما لو أنها في حال حركة رقص مفعمة بالنشوة.
أمضينا النهار كاملاً في المكان نفسه، وفي اليوم التالي غادرنا عبر طريق الجيوش والقوافل القديمة باتجاه الشمال نحو قرية الفاو.
وقرية الفاو مدينة أثرية قديمة تقع في سفح جبل طويق، وقد بدأت التقنيات الأثرية فيها منذ عام 1970م، واليوم يحيط بها سياج يمتد بضع كيلو مترات. وعندما وصلنا إلى الموقع وجدناه مغلقاً، وسرعان ما علمنا من أفراد البادية المقيمة هناك أن حارس الموقع غادر قبل ثلاثة أيام لأداء فريضة الحج، ولحسن الطالع أن ابنه حسين لديه هو الآخر مفتاح لبوابة سياج الموقع الأثري، وبعد ثلاث ساعات متواصلة من البحث تمكنا من مقابلته.
هجرت قرية الفاو في القرن الثالث الميلادي، ومنذ ذلك الحين والرياح الرملية العاتية تهب عليها، الأمر الذي أدى إلى تعرية بعض مبانيها حتى أساساتها، وبناء عل امتداد مساحة الموقع الأثرى فمن المرجح أن آلاف من الناس عاشوا في هذه المدينة الأثرية. ومن بين المباني الأثرية البارزة في الموقع أطلال معبد وثني، وأطلال قصور ومساكن خاصة، وآثار قنوات مائية لري الحقول الزراعية الواقعة قبالة المدينة، إضافة إلى مقبرة قبورها محفورة على هيئة غرف تحت باطن الأرض، وسوق يقع خارج نطاق المنطقة السكنية تقوم أمامه مجموعة من الخانات، كانت مخصصة لاستراحة أرباب القوافل وتخزين بضائعهم التجارية.
بني سوق المدينة الذي لا يزال بحالة جيدة من طابقين، ويضم عدد من الدكاكين والمخازن لا يزال أمامها حتى اليوم مهاريس لطحن الغلال، وفي وسط السوق يوجد بئر عميقة عثر فيها على مسلة حجرية يبلغ طولها مترين، من المرجح أنها تجسد هيئة صنم وثني لم يستكمل تنفيذه.
وعلى الرغم من أنه حتى وقت قريب كان ينظر إلى موروثات ما قبل الإسلام بعين الريبة والشك إلا أن علماء الآثار في جامعة الملك سعود بالرياض تمكنوا من تقصي حضارة قرية الفاو، واليوم أصبحنا – بفض ذلك- نعرف عن هذا الموقع في قلب الصحراء اكثر مما نعرفه عن مواقع ما قبل الإسلام الأخرى في جزيرة العرب.
وتؤكد شواهد المكتشفات الأثرية أن قرية الفاو كانت بلدة عامرة خلال القرن الرابع قبل الميلاد، وقد تكرر ذكرها في النقوش العربية القديمة منذ القرن الأول حتى القرن الخامس الميلادي، وفي ضوء الشواهد الأثرية فإن بداية استيطان قرية الفاو كان من قبل عرب قدموا إليها من منطقة حضرموت، أما أسلوب التصاوير الجدارية المكتشفة في أرجاء المدينة فتشهد على تأثرها الكبير بأسلوب الفن اليوناني والروماني.
كانت قرية الفاو خلال عصور ازدهارها من أهم مراكز التجارة في قلب جزيرة العرب، فقد شكلت المدينة محطة رئيسة للقوافل التجارية المتجهة إلى مملكة الأنباط في الشمال والى مصر والى بلاد الرافدين وبلاد فارس وبلدان حوض البحر الأبيض المتوسط. لقد كانت قرية الفاو حاضر مملكة كندة التي حاول ملوكها ذات مرة توحيد قبائل العرب المتخاصمة ولكن دون جدوى.
تذكر مصادرنا المتاحة أن ثمة مقابر ضخمة وغريبة الشكل تقع على سطح قمة الجبل المطل على المدينة، من المرجح أنها تعود إلى العصر الحجري الحديث.
قام (جورج شتاينمتز) بتصور الموقع الأثري بواسطة (الكرسي الطائر)، والآن يصر أيضا على رؤية المقابر الواقعة على قمة الجبل عن كثب، ولكن قبل ذلك يتوجب علينا تحديد موقعها بالضبط، لذلك ركبت السيارة وبصحبتي حسين ابن حارس الموقع، وبعد مسير بضع كيلو مترات نحو الشرق بمحاذاة سفح الجبل انحرفنا عبر ممر كانت تسير عليه الإبل قديما حتى وصلنا في النهاية إلى أكوام حجرية مصفوفة بشكل يثير للدهشة، وعندها قال لي حسين هذه هي المقابر المنشودة.
إنها تبدو على هيئة مثلثات مبنية من الحجارة ويمتد من كل واحد منها ذيل حجري يبلغ طوله 40 متراً تقريباً، ويلاحظ أن هذه البنايات الغريبة بنيت بشكل مجموعات متوازية مع بعضها بعض، ويطلق عليها علماء الآثار العاملون هنا منذ عام 1970م اسم (المذيلات الحجرية)، وهي في حقيقة الأمر تشبه طائرات الأطفال الورقية (التنين).
لقد عثرها في وسط أحد الـمثلثات الحجرية على بقايا رفات بشرية، ولكن رغم ذلك فلا يوجد حتى اليوم أي تفسير علمي لهذه العمارة الجنائزية النادرة، ولعله ليس من المستبعد القول أن من ابتكرها كان على علم في صناعة الطائرات الورقية، ويعرف قدرتها على الطيران، الأمر الذي جعلهم يقومون ببناء مقابرهم على هذا الشكل أملا في أن أرواح موتاهم سوف تحلق بالطريقة نفسها نحو السماء.
تركنا قرية الفاو وعلينا الآن أن نقطع مسافة 2000 كم في قلب الربع الخالي، لذلك تزودنا ببضع مئات من لترات ماء الشرب، وما يقارب من 1000 لتر من البنزين، ومستلزمات أخرى ملأت سياراتنا الثلاث ورغم ذلك لا زل في أنفسنا ثمة خوف من المجهول.
سرنا في بادئ الأمر نحو الشمال الشرقي عبر وادي ملئ بأشجار السمر، ثم أفضنا منه إلى صحراء لا حدود لها ومكتظة بأحجار صقلتها الرياح، وأخذت ألواناً متعددة، مما جعل الأرض تبدو أمامنا وكأنها مفروشة بالفسيفساء.
في هذا المكان تفاجأت بالشعور نفسه الذي كان يخالجني أثناء رحلاتي المتعددة في منطقة الصحراء الأفريقية، لقد أحسست أني اقتحم وسط فضاء فسيح والأفق يمتد أمامي على هيئة دائرية لا نهاية لها، مما جعلني اشعر أيضا بأننا لا نتحرك، بل تترائى أمامي السيارات وكأنها واقفة في مكانها والأرض من حولنا تنطوي بسرعة فائقة.
ظهر أمامنا بعد بعض ساعات من السير الأفق مملوء بأجسام ذهبية، سرعان ما عانقت الأرض تمتد فوقها على هيئة عروق رملية وكأنها ثعابين ضخمة تلتوي على سطح الأرض مقفلة الطريق أمامنا، الأمر الذي اضطرنا لزيادة سرعة سياراتنا باتجاه الجانب الصلب نحو حافة العرق الرملي الذي ظهر أمامنا وكأنه يعانق السماء الصافي. وفي ومثل هذه الحالات يجب علي المرء أن لا يرفع قدمه من على دعسة البنزين، خصوصاً عندما يفاجئه المنحدر العميق خلف العرق الرملي، بل عليه أن يسير بالسرعة نفسها، وان يضبط مقود السيارة باتجاه الأمام، فاندفاع السيارة يجب أن يكون قوياً، حتى تتمكن العجلات الأمامية من قطع حافة العرق الرملي، وحينما تبدأ العربة بالانحدار يمكن للمرء في هذه الأثناء تخفيف السرعة وجعلها تتزحلق من نفسها على المنحدر الرملي. وهكذا فإن قائدي العربات يلتزمون بهذه القواعد، ومنهم دليلنا (علي) الذي كان يقود السيارة بجانبي وينحدر من قمة الكثبان الرملية وكأنه بطريق يتأرجح نزولاً من قمة تل جليدي.
تغير بعد ظهر اليوم التالي لون الصحراء، فنحن نسير الآن على أراض منخفضة ذات لون ناصع البياض، تتكون من أحجار جيرية نشأت بفعل تجمع مياه عذبة في هذه المنطقة خلال عصر البلايوستوسين.
ويشعر المرء في هذه المنطقة أن الأرض تندمج مع السماء، وتختفي المعالم الفاصلة بينهما، مما جعلنا نشعر وكأننا نحلق في أفق السماء.
بعد سيرنا لبضع الوقت ظهر أمامنا جبل أصفر اللون والى جانبه يقوم شكل لونه اسود، في هذه الأثناء توقفنا أمام كوخ مطلي بأصباغ صفراء، والى جانبه مضخة كبيرة. لقد وصلنا إلى (بئر البحر) وسرعان ما خرج علينا شخص اسود البشرة يرتدي غترة بيضاء، وبعد أن حيانا عرف أن اسمه عبد الله، وانه سوداني الجنسية، وقال لنا: انه هنا يقوم على حراسة الماء، كما ذكر أيضا أن الماء لم يستخرج من هذه البئر منذ اكثر من شهرين، وذلك بسبب تعطل مولد الديزل الذي يغذي المضخة بالكهرباء. وتحدث لنا أيضا أن البادية القريبة كانت فيما مضى تأتي إلى هنا لتعبئة خزانات شاحناتها بالماء، ولكنه منذ فترة طويلة لم ير مخلوقاً في هذا المكان.
يعد عبد الله الذي لا يملك سوى سجادة للصلاة، وجهاز راديو تظهر عليه علامات القدم، واحد من بين ستة ملايين مقيم في المملكة العربية السعودية، بعضهم يأتي من الفلبين وبنغلاديش والباكستان ومصر والسودان وغيرها من الدول، ويتراوح دخلهم الشهري بين 350 الى 500 ريال ، أي بين 96 إلى 137 يورو، ومنه يستقطع جزء يذهب لتكاليف فيزة العمل.
لقد عرضنا عليه أن في إمكانه من خلال جهاز تلفوننا المربوط بالأقمار الصناعية أن يجري أي اتصال يرغبه في أرجاء الربع الخالي، ليخبر عن حاله، ولكن عبد الله رفض هذا العرض وقال انه يجب علي الاعتماد على الله وحده، لقد تركنا عبد الله المسكين بعد أن قدمنا له بعض البرتقال وعدد من علب الكوكا كولا، ثم توجهنا قاصدين الشمال.
تابعنا سيرنا حتى وصلنا في المساء إلى واحة يبرين، وهي بلدة دليلنا (علي)، فوجدنا هناك القلاع المحيطة بها قد تهدمت، كما لم تجد نخيلها من يعتني بها منذ زمن طويل، على العكس من ذلك تبدو منارات مساجدها الحجرية جديدة وتتلألأ بفعل مصابيح النيون في قممها.
لقد تخلى كثير من بادية المنطقة عن الترحال، واستوطنوا في البلدة، واصبحوا يعيشون على نفقة الدولة دون ما حاجة إلى الحركة، فأضحت إبلهم لا تخرج إلى المراعي، بل يجلب غذائها إليها من محطة بيع الأعلاف، تلك المحطة التي رأيت فيها شاحنات الأعلاف بكثرة لم آري مثلها في حياتي قط.
عرفنا (علي) على أحد أصدقائه، وهو صقار، عرض علينا صقره بكل فخر واعتزاز، وحينما رأيته عرفت مباشرة انه من صقور صحراء منغوليا، وعندما سألته عن مصدر الصقر أجاب بكل شموخ قائلاً: انه اشتراه بمبلغ 15.000دولار من تاجر كويتي حصل عليه من إيران.
يشكل الصقارون في بلاد العرب خطراً كبيراً على الصقور، لقد كانوا فيما مضى يصيدون الصقور المحلية، ثم يقومون بتدريبها وبعد انقضاء شهرين أو اكثر يطلقون سراحها، أما الآن ومع تزايد أعداد الصقارين اصبح توالد الصقور في بلاد العرب قليل، إضافة إلى إن عدم إطلاق سراحها بعد استخدامها أضحى يهدد إلى حد كبير بانقراضها.
يستورد العرب منذ زمن الصقور من جميع أنحاء العالم وهذا ما شاهدته بنفسي في صحراء (جوبي) الواقعة في منغوليا البعيدة، حيث هناك تصاد الصقور في أوكارها ثم تعرض للبيع، وقد يصل سعر الصقر المنغولي الواحد إلى 30.000دولار، وفي هذه الأيام وصل الطلب على الصقور إلى (جرونلاند)، على الرغم من أن صقورها لا تصلح للقنص في الصحراء، ولكنها تجلب فتحبس في حظائر مكيفة كرمز من رموز إظهار الثراء.
قمت في صباح اليوم التالي برحلة قصيرة إلى مكان وقع فيه منذ زمن ليس بالبعيد حدث آثار الرعب في قلوب سكان واحة يبرين، حيث وصلت بعد عصر اليوم نفسه إلى منطقة في وسط الربع الخالي رمالها مغطاة بآلاف من قطع صغيرة من الخبث الأسود المزجج، وسرعان ما لاحظت هناك أيضا قطع كبيرة من المادة نفسها ذات لون اسود أيضا، لقد كانت خفيفة الوزن وعلى هيئة رغوة الصابون كما لو أنها خبث معادن محترق.
تنتشر هذه المادة الغريبة في أنحاء متفرقة مشكلة هيئة هلال بين العروق الرملية وبارتفاع يصل قرابة المتر. في هذه الأثناء تذكرت هاري سانت جون فلبي (عبد الله فلبي ) الذي يعد أول أوروبي يصل إلى هذا المكان في عام 1932م. لقد دخل فلبي في منافسة شديدة مع مواطنه برترام توماس من أجل السبق في عبور الربع الخالي ولكنه خسر في نهاية الأمر، بسبب إمضائه كثير من وقته في البحث عن مواقع الآثار القديمة في أرجاء الصحراء، فقد كان يحاول البحث عن مدينة (أُوبار) التي يعتقد أنها موطن قوم (عاد) المذكورين في القرآن، وأهلكهم الله بسبب تكذيبهم لرسله بريح صرصر عاتية.
لقد عرض مرافقو (فلبي) من أفراد البادية عليه أن يرشدوه إلى المكان الذي عاقب الله فيه قوم عاد في وسط الربع الخالي، وعندما وصلوا إلى المكان لفتوا انتباهه إلى قطع غريبة من الخبث الأسود، وزعموا له إنها بقايا من حلى نساء المدينة المدمرة. ولكن فلبي فهم على الفور انه لم يكتشف بعد آثار مدينة (أُوبار) المفقودة، بل ظن أن ذلك الخبث ألا سود والحفر المنتشرة في أرجاء المكان هي بقايا بركان حدث في هذه المنطقة، وبعد أن قدم له مرافقوه من رجال البادية قطعة حديد كبيرة، تبين له أنها ليست من كوكب الأرض.
لقد كان فلبي في حقيقة الأمر يقف – كما هو الحال معي الآن – في موطن كارثة هبطت من السماء، ففي هذا المكان اصطدم نيزك ضخم بالأرض، وقد وصفه عالم الفلك الأمريكي (أويقن شوماخر)، الذي زار الموقع في عام 1994م وعام 1995م وأجرى اختبارات علمية عليه، بقوله: ” فجأة ظهر في الأفق المظلم نقطة ضوء، كانت في بادئ الأمر على هيئة وميض برق، ثم تحولت إلى كرة ملتهبة، وسرعان ما كبر حجمها، وانشطرت في النهاية إلى أربع كرات ملتهبة، وفي اقل من لمح البصر تناثرت شظايا ملتهبة في أفق السماء، مما أحدث ضجيج صاخب ارتجفت له الأرض، فتطايرت بسبب قوة الضغط حبات الرمال والأحجار بكل اتجاه، وتناثرت الأجسام الملتهبة في كل مكان…، مما أدى إلى تكدس أجسام على هيئة نبات الفطر في محيط اصطدام النيزك”. وفي ضوء عدم تساوي أشكال ثلاث من الفوهات الناتجة جراء اصطدام النيزك بالأرض، استنتج ( شوماخر) من ذلك أن النيزك نزل بزاوية حادة من الجهة الشمالية الغربية، وبسرعة تتراوح فيما 11-17 كيلو متر في الثانية الواحدة، أي أن النيزك الذي كان يزن 35.000طن على اقل تقدير دخل إلى الغلاف الجوي بسرعة تتراوح بين 40.000 إلى 61.000 كم في الساعة، وفي أثناء سقوط النيزك تزايدت سرعة اندفاعه إلى ما يماثل انفجار 100.000طن من مادة (TNT) ، أو بعبارة أخرى ما يعادل القوة الاصطدامية لثمان قنابل نووية من تلك التي أسقطت على هيروشيما.
والحقيقة إن اغلب النيازك التي تسقط على كوكب الأرض تحترق قبل أن تخترق مجال الغلاف الجوي، أو إنها على الأقل تنشطر إلى أجزاء صغيرة جدا، ولكن النيزك الذي نحن بصدده تمكن بفضل كبر حجمه وكثافة معادنه من اختراق مجال الغلاف الجوي والاصطدام في الأرض، وبعد تجاوزه لمجال الغلاف الجوي انقسم على الأقل إلى أربعة أجزاء، كانت حسب تقدير ( شوماخر) تسير بسرعة 25.000كم في الساعة باتجاه رمال الصحراء، أي أسرع خمس مرات من انطلاق رصاصة بندقية.
لقد أدت الحرارة المرتفعة المنبعثة من جسم النيزك إلى تحويل حبات الرمال في جزء من الثانية إلى صخور، وسرعان ما تحولت بفعل قوة الضغط إلى أحجار كواترز بلورية الشكل، وأثناء حدوث ارتطام النيزك بالأرض كانت حرارته تتراوح ما بين 10.000 إلى 20.000درجة، مما أدى إلى انصهار المادة الملتهبة لجسم النيزك واختلاطها بحبات الرمال، فتطايرت المادة بضع كيلومترات نحو السماء، ثم انهمرت نزولاً على هيئة خبث مزجج آخذة شكل خرز اسود اللون متناثراً على سطح الأرض.وبناء على الأبحاث المخبرية وتحليل أجزاء من بقايا النيزك فان زمن هذه الحادثة تم قبل بضع مئات من السنين.
ويذكر أيضا أن ثمة نيزك آخر يحتوي على مادة مشابهة لنيزك الربع الخالي سقط على منطقة نجد في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي، وبفضل مشاهدة كرته الملتهبة فوق سماء الرياض وهي تسير باتجاه الجنوب الشرقي أمكن اكتشاف موقع اصطدامه بالأرض، ومن ثم العثور على بقايا جسم النيزك.
تنمو على الكثبان الرملية الممتدة طوال مسيرنا حشائش خضراء وصفراء اللون، ولعل مرد ذلك إلى أن الجزء الشمالي الشرقي من صحراء الربع الخالي أقل جفافاً من غيره، إذ بفعل هبوب الرياح الموسمية أحياناً تتحرك سحب ممطرة من مناطق خليج عمان إلى هذه الأنحاء، ويقول باحث الربع الخالي (ولفريد تسيقر) الذي زار المنطقة في أربعينيات القرن العشرين عن غزارة الأمطار فيها ما نصه ” لقد كان يوم حار وملتهب وكانت السحب خلال الأيام العشرة الماضية تتجمع مع حلول الليل، وفي الأفق البعيد كانت تبرق وترعد والآن انهمر المطر مدة ثلاثة أيام دون توقف….، لقد كانت أيام مخيفة، كنا نسير وثيابنا غارقة بالماء، ونرى الرمال أمامنا تزحف بفعل قوة جريان الماء”.
وحدثنا دليلنا ( علي المري) انه حدث قبل سبع سنوات طوفان في هذه المنطقة، أدى إلى انهيار الكثبان الرملية، وفقد عل إثره عائلة بدوية بكامل أفرادها، ولا يستبعد أنها طمرت تحت الانهيار الرملي.
ورغم قلة هطول الأمطار هنا إلا أنها إذا ما أمطرت فهي تمطر بغزارة ، فتتجمع المياه في المنخفضات بين الكثبان الرملية على هيئة بحيرات تتسرب مياهها عبر الرمال، وبفضلها تستمد واحة (ليوا) في الجزء الجنوبي من أبو ظبي مقومات حياتها.
دخلنا مع حلول المساء في منطقة سلاسل رملية كثيفة، كانت كثبان الرمال التي ترتفع حوالي 30 متراً على هيئة أهله تتلألأ أمامنا، ويتضح من خلال بياض لون الرمال أن الرياح الجافة كانت تهب على هذه المنطقة من جهة الخليج العربي، في هذه الأثناء كان يخالجنا شعور أننا سوف نقع في مأزق، وسرعان ما حل الظلام، ومعه لم نتمكن من تحديد ملامح طريق الخروج، مما أجبرنا على المبيت حيث كنا، وعندما استيقظنا من النوم في صباح اليوم التالي شاهدنا على بعد بضع مئات من الأمتار طريق مسفلت يسير من الشرق إلى الغرب عبر كثبان الرمال.
لقد صادفنا في هذه المنطقة البدائية اغرب منتجات العصر الحديث فنحن الآن بجوار خط أنابيب نقل النفط من حقل شيبة في وسط الربع الخالي إلى سواحل الخليج العربي، ويعد حقل شيبة حيث مكامن الذهب الأسود من اغزر حقول النفط في المملكة العربية السعودية، وأنابيب نفطه هي بمثابة شرايين تغذي مدنياتنا المعاصرة بالغذاء المطلوب.
بعد سير قرابة نصف ساعة على طريق الإسفلت باتجاه الشرق أوقفتنا دورية مدججة بالسلاح، وسرعان ما عرفنا أن المسير عبر الطريق الممتد بمحاذاة خط أنابيب النفط ممنوعاً لمن لا يحمل تصريحاً بذلك، في هذه الأثناء أخرج الضابط المرافق للحملة تصريحنا الخاص، مما مكننا من التقدم نحو الأمام.
تبدو الصحراء في هذه المنطقة كما لو إنها لوحة مائية، فالكثبان الرملية بقممها الحمراء وتموجاتها ومساقطها تشبه تموج ألوان لوحة فنية، وفي أفق السماء تحوم سحب يخالها المراء ريش نعام ابيض، حقاً إن هذه المنطقة باهرة الجمال.
تُشكل تموجات الرمال التي ترتفع حوالي 250 متراً طوقاً لا يمكن تجاوزه بأي وسيلة نقل مهما بلغت قوتها، سوى من خلال هذا الطريق المسفلت. لقد أطلق المستكشفون الإنجليز على هذه المنطقة اسم ” الرمال الجبارة” أما الباحثون في علم التكوينات الرملية فيسمونها ” شبكة الكثبان الرملية”.
تعد كثبان الجزء الشرقي من الربع الخالي من أروع واعقد الكثبان الرملية على وجه الأرض، فقد تشكلت عبر ملايين السنين على هيئة سلاسل وضفائر رملية محكمة بفعل هبوب الرياح عليها من كل اتجاه. أما اليوم فإن تأثير حركة الرياح يقتصر على تحريك الرمال المتراكمة على قمم الكثبان الرملية، إذ يؤدي اصطدام الرياح بها إلى تطاير حبات الرمال من قمة كثبان رملي إلى آخر.
انحرف الطريق بنا في هذه الأثناء نحو اليمين في اتجاه الجنوب آخذا في الارتفاع، وما هي سوى لحظات قليلة حتى رأينا أول لوحة مرورية تصادفها منذ أسابيع، تحذرنا من انحدار خطر على مسار الطريق، كنا أثناء مسيرنا على قمة الكثبان الرملي نلمح عن بعد منظر يشبه السراب، وسرعان ما بدأت تنضح أمامنا مدينة (شيبة) الواقعة في منطقة تحيطها كثبان الرمال العالية من كل صوب، وهي مدينة حديثة أنشئت في قلب الصحراء من قبل شركة ارامكوا السعودية.
إن هذا المكان حقا يجعل من خيال الحالمين يبوح بمكنوناته، فهو يبدو كمستوطنة صحراوية على سطح المريخ.
بعد أن تعرضنا لتفتيش دقيق على مدخل المدينة، نحاول الآن البحث عن مكان لإيقاف سياراتنا، وفي هذه الأثناء كنا نسمع صوت يدوي عبر مكبرات الصوت على قمم منارات المساجد وهو يكبر قائلا: ” الله اكبر، الله أكبر”.
بنيت المدينة الحديثة على حقل نفطي ضخم أطلق عليه محمد الزهراني، وهو أحد مدراء شركة ارامكو، اسم (الوحش)، ويستخرج من حقل شيبة 600.000 برميل من أجود أنواع النفط يومياً، وبناء على السعر السوقي للنفط فإن حقل شيبة وحده يدر على المملكة العربية السعودية اكثر من 15.000000 دولا يومياً وهذا سوف يستمر على الأقل طوال الثمانين عاما القادمة.
اكتشف حقل شيبة في عام 1968م، ولكن بداية استخراج نفطه لم تبدأ إلا في عام 1990م، ويحتوي الموقع على مجموعة كبيرة من البيوت الجاهزة، وعلى محطة كهرباء لتشغيل المشروع، إضافة إلى مجموعة من الجرافات الضخمة، قال لنا محمد الزهراني بحماس منقطع النظير إنها أزاحت ما يزيد على 30 مليون متر مكعب من الرمال أثناء توسعة المدينة وبناء مطارها.
تتميز منطقة شيبة بوفرة مياهها، فليس ثمة عوائق في توفير المياه اللازمة، فهي تستخرج من باطن الأرض بكميات وفيرة, ووفرة المياه هنا يعود إلى انحدار حوض الربع الخالي المائي من الجنوب العربي إلى الشمال الشرقي بما مقداره 1.000متر، ولهذا السبب أيضا تكثر في المساحات الواقعة بين الكثبان الرملية السبخات (النقر) التي نشأت بفعل ازدياد كميات التبخر.
ونظرا لوفر المياه يوجد هنا مسبح مسقوف وذو حجم أولمبي. ويسبب ارتفاع درجة الحرارة في فصل الصيف، مما يرفع من درجة حرارة الماء إلى اكثر من 40 درجة، فقد تم تثبيت حرارته بواسطة مكائن خاصة للتبريد على درجة حرارة 25ْ. لم اصدق ما رأته عيني في صباح اليوم التالي، فقد شاهدت الضباب يحلق على قمم كثبان (شيبة) الرملية، ولعل ذلك أمر طبيعي، ففي فصل الشتاء يصبح الهواء بارداً، الأمر الذي يحول تبخر الماء في اليوم السابق إلى ضباب في صباح اليوم التالي.
خرجت بعد انقشاع سحب الضباب مع أحد العاملين في شركة أرامكو إلى نبع أحد حقول النفط، وبينما كنا نسير رأيت على قمم الكثبان الرملية أكياس هوائية، مشابهة لتلك التي نراها في مدارج هبوط الطائرات، وقد علمت أنها وضعت كي يتعرف من خلالها العاملون هنا على اتجاه الريح، وفي حال تسرب كميات كبيرة من غاز الحقول النفطية، يسهل عليهم الهرب في عكس اتجاه الريح.
تعرفت هناك على مهندس حفر أمريكي الجنسية، اسمه ماءك وين، وهو رجل عملي، يبدو على محياه منذ الوهلة الأولى انه قادر على حل أي مشكلة تقنية طارئة. كان ( ماءك وين) يزين يده بخاتم ضخم من الذهب، وقد احتجت برهة من الوقت لكي افهم انه بقوله (كوك) يقصد النفط الذي يتصاعد من باطن الأرض وكأنه عصير الليمون.
يستخرج نفط حقل شيبة من تكون جيولوجي لبحر كان خلال العصر الطباشيري يملأ حوض الربع الخالي، ويعود الفضل في تكون نفط هذه المنطقة إلى مخلوقات بحرية متنوعة، وخصوصا ما يسمى العوالق وبعض الحشائش البحرية، ومع مرور الوقت طمرتها الرواسب، وكلما تزايدت كميات الرواسب العضوية فوق بعضها البعض كلما تزايد ارتفاع درجة الحرارة والضغط، وعلى عمق 2.000 إلى 6.000 متر تتحول تلك المواد بفعل الضغط إلى نفط.
غرفة عمل (مايك وين) عبارة عن غرفة مكيفة لا نوافذ لهان ومملوءة بأجهزة الكومبيوتر، وكل ما يحدث في عين البئر يقرأه من خلال الأجهزة والشاشات أمامه. إن هذا الأمريكي يجد صعوبة في فهم قدرة العرب العاملون في الخارج على تحمل درجة الحرارة المرتفعة، فهي تصل إلى 56ْ درجة في الظل، أما قاعدة البئر وفوهته فترتفع درجة حرارتها إلى ما يزيد على 80ْ درجة، ولكن ( مايك واين) بحكم عمله كمهندس حفر يقدر مثل هذه الظروف الجوية حق تقدير، فهو كما ذكر لي عانى كثيرا من هبوط درجة الحرارة أثناء عمله في ( اركتس)، إذ يضطر المرء هناك إلى استخدام البخار الحار من أجل استخراج النفط، أما في منطقة (شيبة) فالحرارة الطبيعية تؤدي دورها كما ينبغي
تلقيت في هذه الأثناء درساً في النفط وتقنيات استخراجه، ففي هذه المنطقة ذات الرمال المتطايرة لا يمكن للمرء الاستمرار في عمليات الحفر، ولكن بفضل التقنيات المتطور أمكن استخراج النفط من حقل شيبة بواسطة حفارات تدار عن بعد، وبإمكانها تحريك رأس الحفار وقضبانه في الاتجاه المطلوب، لقد أشار (مايك وين) بيده إلى أحد الشاشات أمامنا يظهر عليها رسوم تخطيطية لعمليات الحفر، ويمكن من خلالها معرفة كيف أن البئر على عمق 2000متر بدأ يتقوس (ينحرف) بشكل أفقي، في هذه الأثناء بدأ على الشاشة رأس الحفار وهو على مسافة 8كم يميل باتجاه أفقي عبر الصخور، والآن يبلغ طول قضيب الحفار10 كم، ورغم ذلك فإنه لا يزال مرناً، ويمكن من خلال غرفة التحكم أن يعدل اتجاها بزاوية 90ْ درجة.
توفر المعلومات الظاهرة على شاشة الكمبيوتر حقائق كثيرة عن سير العمل، من بينها ما يرسله جهاز الإحساس المثبت في رأس الحفار عن تفاوت كمية الإشعاعات المختلفة للصخور في باطن البئر.
وبفضل هذه الطريقة الأفقية في تقنية الحفر اصبح بالإمكان تتبع مخزون هذا الحوض النفطي حتى أجزاءه الواقعة تحت الكثبان الرملية، ليس ذلك فقط بل حسب ما قال لأي (مايك وين) غامزاً بعينه، إنه في الإمكان بفضل هذه التقنية شفط النفط من أماكن بعيدة خارج الحدود.حظيت قبل مغادرتنا إلى الرياض بفرصة للطيران فوق الرمال الجنوبية للربع الخالي،
بواسطة طائرة خاصة بالمسح الجيوفيزيائي لحقول النفط، ولحسن الطالع كان الجو صافياً، مما أتاح لي رؤية كثبان الرمال الممتدة على سطح الأفق إلى ما لا نهاية، وبعد ساعات من الطيران شاهدت أجمل وأروع منطقة رأيتها في حياتي، فأمامي تمتد الآن بارتفاع يبلغ 200متر تقريبا، عروق رملية قممها تأخذ هيئة النجوم، حقا ليس ثمة أروع من أن يرى المرء هذه الرمال الذهبية والعروق تهبط من قممها بكل أناقة إلى اسفل لتعانق السبخات الواقفة بين الكثبان الرملية، إنه منظر سريالي لا يملك المرء معه سوى تذكر لوحات الفنان العظيم (سلفادور دالي). في هذه الأثناء شعرت أنني أرى (ولفرد تسيقر) مع قافلته الصغيرة يسير تحتي على الأرض، وسرعان ما غاب هذا الشعور عندما تفاجأت بقطيع من الظبا تتحرك بكل رشاقة من مكان إلى آخر.
هنا بعض الصور الموجودة في الكتاب:
This slideshow requires JavaScript.



